عداء الإسلام بين برلمانين
برلمان قريش
أعضاء البرلمان
في يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة ، الموافق 12 من شهر سبتمبر سنة 622 م – أي بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة الكبرى – عقد برلمان مكة في أوائل النهار أخطر اجتماعٍ له في تاريخه، وتوافد إلى هذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية وأبرزهم :-
1- أبو جهل بن هشام عن قبيلة بني مخزوم .
2، 3 ، 4 – جبير بن مطعم والحارث بن عامر وطعيمة بن عدي عن بني نوفل بن عبد مناف .
5 ، 6 ، 7 – شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب ، عن بني عبد شمس بن عبد مناف .
8- النضر بن الحارث عن بني عبد الدار .
9 ، 10 ، 11 – أبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام عن بني أسد بن عبد العزى .
12 ، 13 – نبيه ومنبه ابنا الحجاج عن بني سهم .
14 – أمية بن خلف عن بني جمح.
مكان الجلسة
و مما يثير الفضول هو معرفة سر اختيار دار الندوة ، لتكون مكانا لجلسة ذلك البرلمان ، ولم يكن ذلك الاجتماع الغاشم في بيت رئيس من الرؤساء ، أو سيد من السادة ، أظن أن الجاهلية أرادت أن يكون قرارها جوهريا ، وأرادت أن تصدره بلسان القوم ، أو من منبرهم الرسمي المشئوم .
ثم زادني فهمًا صاحبُ لباب النقول حينما ذكر : ( .. بل كان في كل قبيلة ولاية عامة تكون لرئيسها ، فكانت في بني هاشم السقاية والرفادة … وكانت في بني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة أي لا يدخل البيت أحد إلا بإذنهم ، وإذا عقدت قريش راية حرب عقدها لهم بنو عبد الدار ، وإذا اجتمعوا لأمر إبرامًا ونقضًا لا يكون اجتماعهم لذلك إلا في دار الندوة … ).
موضوع الجلسة
منع قيام الدولة الإسلامية
فبعد ازدياد اضطهاد قريش لمسلمي مكة ، وتعذيبهم إياهم لجأ المسلون للهجرة ، كي يقيموا دولة الإسلام ويحملوا مشاعل النور لتضئ للعالم في ظلمات التيه .
لكن لم يزل النبي – صلى الله عليه وسلم – في مكة ولم يهاجر بعد ، فلم ترض الجاهلية بما حدث ، ومخطئ من ظن أنها وزعيمها- إبليس – قد ترضى لأن تحيا جنبا لجنب مع الإسلام كما قد يحلو للبعض أن يتصور أو يتوهم ذلك اليوم ، فالكفر لا يرضى منك سوى الكفر .. ولكن أن تفر بدينك لتحيا به بعيدًا .. أو أن تبايع الله في الخفاء .. فذلك موجعٌ إذن .. لا خيار تطرحه الجاهلية سوى ألا يعبد غيرها على هذه البسيطة … وأنى لها ذلك .
إذن فهي لا تفي بوعد .. ولا تحتفظ بعهد .. ولا تصون حدًا ..ولا يطيب لها أن ترى توحيدًا ..بل هي جيفة منتنة ، من أكل منها نبت جسده من حرام .. وكل جسد نبت من حرام فالنار أولى به .
لكل ما سبق ، لم ترض الجاهلية بأن يعتزلها الإسلام ، فهي تدرك جيدًا أن الإسلام إذا ترعرع في يثرب وكبر ، فلن يبقي ولن يذر ، وفهمت حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما رواه عن رب العزة ” أنا أغنى الشركاء عن الشرك ” ، ذلك فضلا عن أن ما ظهر من ثبات مسلمي قريش على ما تعرضوا له من تعذيب ينبئ بخطر وخيم إذا تمكن سيقضي على وجود الجاهلية في كل مكان .
لعل اجتماعا لمثل هؤلاء الأشخاص ، في مثل هذا المكان ، وبمثل هذه الخصائص ، ولأجل هذه الأهداف ، كان هذا اجتماع أبالسة بحق ، فالهجرة هي أعظم حدث في تاريخ السيرة النبوية ، إذ إنها نبتة دولة الإسلام قائمة بشؤون الدين المصلحة لشؤون الدنيا المجاهدة في سبيل الله .
رئيس البرلمان :
العجب أن السيرة لم تحفظ لنا تجسد الشيطان – إمام الجاهلية – في صورة إنسان إلا عدة مرات نادرة وقد فعلها هذه المرة في صورة شيخ نجدي ، كما روى ابن إسحاق .
فإبليس لم يكتف بوسائله وأساليبه المعتادة هذه المرة.. فلقد كان بوسعه حضور ذلك البرلمان دونما ظهور جسدي فله أن ينزغ .. أو يزين .. أو يوحي .. ولكنه هذه المرة يعيش المشكلة بروحه وجسده ، إن صح التعبير .
ولكن الشيخ ذو الوقار والهيبة من نجد، و ثمت إثارة في كلمة “نجد” فالصراع في مكة والشيخ من نجد !! فكما أن الإسلام دين عالمي ، أراد زعيم الجاهلية أن تكون جبهته أيضًا عالمية ، فدخل النجدي دار الندوة .. دار قريش !! حتى تكون المواجهة عالمية .
مناقشة الأعضاء :
الأول : قال أبو الأسود : “نخرجه من بين أظهرنا ، وننفيه من بلادنا ، ولا نبالي أين ذهب ، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا …”.
النفي والإخراج سنة الجاهلية ، متى كانت ، وأينما كانت ، والحقيقة أن حضور إبليس الاجتماع بشكل ملفت للانتباه ، ظهرت أولى نقماته بعد إيحاء ، ونزغ، وتزيين إلى أبي الأسود ، ليعرض سنة من سنن إبليس مع المؤمنين ” لنخرجنك يا شعيب ” وقد سعى من قبل في إخراج أبوينا من الجنة وقد كان له ..
نتابع تضييق المسار شبرًا بشبر وذراعًا بذراع ، فإبليس- بوصفه رئيسًا اعتباريا للبرلمان – يرد على صاحب الاقتراح مذكرًا له بفضائل النبي والنبوة ” ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقة وغلبته على قلوب الرجال ، والله لو فعلتم ذلك ، ما أمنتم أن يحل على حي من العرب ثم يسير بهم إليكم – بعد أن يتابعوه – حتى يطأكم في بلادكم … ثم يختتم كلامه أن اسلكوا سبيلا غير هذا السبيل ودبروا فيه رأيا غير هذا” .
الثاني : قال أبو البختري : ” احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب من الشعراء الذين كانوا قبله – زهير والنابغة – ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم “.
السجن وتقييد الحرية ، لكل من سولت له نفسه أن يعبد الله وحده ، أو أن ينشر دعوة مباركة بين الناس، فالجاهلية لن تسمح لك بالظهور والإعلان ، اللهم إلا في ذلك المسار المخروطي الوضيع الذي ترسمه لك.
ويظهر الشيخ النجدي مرة أخرى ليصل لغايته الخبيثة وهدفه المنشود .. القتل .. ” لا والله ، ما هذا لكم برأي ، والله لئن حبستموه ، ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه ، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعونه من بين أيديكم ثم يكاثروكم به ، حتى يغلبوكم على أمركم ما هذا لكم برأي ، فانظروا في غيره” .
الثالث : رئيس الأغلبية – أبو جهل بن هشام : ” والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد ” قالوا وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نسيبًا وسيطًا فينا , ثم نعطي كل فتى سيفًا صارمًا ثم يعمدوا إليه , فيضربوه بها ضربة رجل واحد , فيقتلوه , فنستريح منه , فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا , فرضوا منا بالعقل ( الدية ) , فعقلناه لهم .
القتل وهو المراد من حضور إبليس بذاته ، حتى يوقَّع على قرار التصفية الجسدية لمحمد بن عبد الله رسول الإسلام أو بالأحرى لدعوته المباركة ، بعدما أصدر الحكم كبير مشركي قريش أبا الحكم ، الذي أراني مضطرًا أن أرجع لك بنسبه لفرعون مصر ، بل وأخرب لك بطون الزمان لأصله إلى سيده قابيل أحد ابني آدم صاحب أول جريمة قتل على وجه الأرض ، ليحمل أيضًا وزر هذا الاقتراح الغاشم .
وبالمناسبة لقد حبك إبليس المناقشة لتظهر الجاهلية ديمقراطيتها اللعينة , فليقترح فلان وليبدي برأيه وكذا يقترح فلان وليبدي رأيه حتى تظهر وجهها القبيح بصورة ناصعة الجمال .
فلاشك أن قرار القتل قد اتخذه إبليس من قبل الاجتماع ، لأنه جربه من قبل مرات ومرات مع يحيى و زكريا وقوم أصحاب الأخدود ، ومؤمن سورة يس ومؤمن سورة غافر ، بل وأول ضحية سقطت كانت مع أول حياة على وجه الأرض ، فسقطت منها أول قطرة لتنبت بعد ذلك شجرة الشهداء وكان الضحية هابيل !! .
يؤيد كلامنا هذا قول إبليس : القول ما قال الرجل , هذا الرأي الذي لا رأى فيه ، فألمح فيه إصرار إبليس وتقريره لهذا الاقتراح بتكرار مادة القول ” القول ما قال … ” بل وترى الحماسة لرأيه الدفين الذي أوصى به لوليه أبي جهل تظهر من خلال المعارف الثلاثة التي أراد بها توكيد وتأكيد الاقتراح ” هذا الرأي الذي … ” ولا أطيل!.
توصيات المجلس :
أوصى المجلس بعد تصويت الأعضاء على قتل محمد وتصفية دعوته المباركة
هذا وقد صدر الاقتراح من أبي الحكم ليلاقي أفئدة وعقولاً أكل الكفر عليها وشرب ليصدر قرار الإعدام بالإجماع ولكن { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }[الأنفال : 30] , { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } [يوسف : 21] .
للمزيد
http://www.4muhammed.com/vb/showthread.php?t=5469